الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
229
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أي وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها ثم أعادوا وضعها فتلك الإعادة ردّ . وحرف فِي للظرفية المجازية المراد بها التمكين ، فهي بمعنى على كقوله : أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سورة الزمر : 22 ] . فمعنى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ جعلوا أيديهم على أفواههم . وعطفه بفاء التعقيب مشير إلى أنهم بادروا بردّ أيديهم في أفواههم بفور تلقيهم دعوة رسلهم ، فيقتضي أن يكون ردّ الأيدي في الأفواه تمثيلا لحال المتعجب المستهزئ ، فالكلام تمثيل للحالة المعتادة وليس المراد حقيقته ، لأن وقوعه خبرا عن الأمم مع اختلاف عوائدهم وإشاراتهم واختلاف الأفراد في حركاتهم عند التعجب قرينة على أنه ما أريد به إلّا بيان عربي . ونظير هذا قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ [ سورة الزمر : 74 ] ، فميراث الأرض كناية عن حسن العاقبة جريا على بيان العرب عند تنافس قبائلهم أن حسن العاقبة يكون لمن أخذ أرض عدوّه . وأكّدوا كفرهم بما جاءت به الرسل بما دلّت عليه إن وفعل المضيّ في قوله : إِنَّا كَفَرْنا . وسموا ما كفروا به مرسلا به تهكما بالرسل ، كقوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ سورة الحجر : 6 ] ، فمعنى ذلك : أنهم كفروا بأن ما جاءوا به مرسل به من اللّه ، أي كفروا بأن اللّه أرسلهم . فهذا مما أيقنوا بتكذيبهم فيه . وأما قولهم : وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ فذلك شك في صحة ما يدعونهم إليه وسداده ، فهو عندهم معرض للنظر وتمييز صحيحه من سقيمه ، فمورد الشك ما يدعونهم إليه ، ومورد التكذيب نسبة دعوتهم إلى اللّه . فمرادهم : أنهم وإن كانوا كاذبين في دعوى الرسالة فقد يكون في بعض ما يدعون إليه ما هو صدق وحقّ فإن الكاذب قد يقول حقّا . وجعلوا الشك قويا فلذلك عبر عنه بأنهم مظروفون فيه ، أي هو محيط بهم ومتمكن كمال التمكن . و مُرِيبٍ تأكيد لمعنى لَفِي شَكٍّ ، والمريب : المتوقع في الريب ، وهو مرادف الشك ، فوصف الشك بالمريب من تأكيد ماهيته ، كقولهم : ليل أليل ، وشعر شاعر . وحذفت إحدى النونين من قوله : إِنَّا تخفيفا تجنبا للثقل الناشئ من وقوع نونين آخرين بعد في قوله : تَدْعُونَنا اللازم ذكرهما ، بخلاف آية سورة هود [ 62 ] وَإِنَّنا لَفِي